العودة

3 ناجيات إيزيديات يروين للمرّة الأولى فصولاً من الأسر والخطف.. والنجاة بعد داعش

وسيم عرابي

3 ناجيات إيزيديات يروين للمرّة الأولى فصولاً من الأسر والخطف.. والنجاة بعد داعش
شارك:

تاريخ النشر :

تمهيد

هذه ليست فقط قصة ثلاث ناجيات من تنظيم داعش، بل قصة ثلاثة أصوات احتاج الوصول إليها شهرين من الانتظار والإقناع، لأنّ الحديث نفسه كان يعني بالنسبة إليهن العودة إلى المكان الذي حاولن تركه وراءهن.

ومن بين هذه الأصوات، كان صوت سعاد داوود أول من فتحت لنا الباب. امرأة في الأربعين من عمرها، تجلس بهدوء، لكنّ عينيها تحملان ما لا تستطيع الكلمات وحدها أن تنقله.

لم تتحدث عن "الخطف" كحدث تاريخي، بل كجرح يومي لا يزال ينزف. وقبل أن تبدأ في سرد روايتها، صمتت قليلاً، كأنّها تستأذن ذاكرتها أن تعود مرة أخرى إلى تلك الأيام التي حاولت دفنها. ثم قالت بصوت هادئ لكنه مُثقل: "كل شيء تغيّر في الثالث من أغسطس".

الناجية الأيزيدية سعاد داوود خلال الحديث مع VeezPro
الناجية الأيزيدية سعاد داوود خلال الحديث مع VeezPro

سعاد داوود: من القحطانية إلى سوريا

قصتها تبدأ قبل داعش بسنوات، تحديداً عام 2007، عندما فقدت والدها وشقيقها الوحيد في منطقة القحطانية، حينئذ بقيت مع أخواتها الخمس، حتى جاء الثالث من أغسطس لعام 2014 وتغير كل شيء مع هذا التاريخ..

تفاصيل بعينها تأبى أن تُمحى من ذاكرة سعاد داوود تلك السيدة الأربعينية، عندما هاجم تنظيم داعش منطقتها، وأخذها مع أفراد من عائلتها وأعمامها ونحو 43 فتاة نُقلن جميعاً في أربع سيارات.

كانت الوجهة الأولى مثلما تسرد "سعاد" لنا هى تلعفر ومنها إلى الموصل حيث بقيت هناك لنحو شهر. في منزل من ثلاثة طوابق، كانت تتجمّع فيه الفتيات الأيزيديات. في البداية كانت شقيقتها معها، لكنّ التنظيم أبقاها في مدينة الموصل، بينما نُقلت سعاد لاحقاً مع ابنة عمّها إلى سوريا، ضمن مجموعة من 34 فتاة.

لم يكن الخطف نهاية الرحلة، بل بدايتها. تقول سعاد داوود إنّ المختطفات كن ينتقلن من مكان إلى آخر، ومن شخص إلى آخر. وفي شهادات الناجيات التي وثقتها الأمم المتحدة، يظهر نمط منظّم لفصل النساء والفتيات وتوزيعهن وبيعهن، وإجبارهن على العمل والخضوع للعنف والاستعباد الجنسي.

سعاد تروي لنا أنّ النساء والأطفال فُصلوا عن الرجال فور وصول التنظيم. وقد أجبر الرجال على تسليم الأسلحة والهواتف والأموال... ثم بدأت مرحلة أخرى.

تقول: كان التنظيم يبيعنا مقابل المال، ويجبرنا على العمل كخادمات في منازل عناصره... كان الضرب جزءاً من حياتنا اليومية، وكانت هناك محاولات لإجبارنا على تغيير معتقداتنا وقراءة القرآن. وتضيف: حتى النوم لم يكن آمناً، مستذكرة هنا أنّ التنظيم كان يكبل أيديهن أثناء النوم.

بعض الذكريات لا تحتاج إلى وصف طويل، يكفي أن تبقى الآثار على الجسد، فحتّى اليوم، تتذكر آخر عنصر من تنظيم داعش كانت عنده في منزل في منطقة الباغوز: كان يضربني على ظهري، ومازلت أشعر بالألم حتّى اليوم، وكان سبب العنف والعقاب أنني كنت أكرّر أنّني أريد العودة إلى أهلي.

الباغوز... اقتربت النهاية ولم تنتهِ المعاناة

وفي الباغوز، كانت المعركة تقترب من نهايتها، وكانت آنذاك القوات تتقدم، فيما تنظيم داعش يتراجع إلى الباغوز حيث كانت تصل العائلات المرتبطة بالتنظيم بكثافة، وتعيش في الخيام بسبب نقص أماكن السكن، وفق ما تروي سعاد داوود.

وتضيف: في تلك الفترة تصاعد القصف، وحدثت اضطرابات أمنية عديدة، فنُقلت سعاد إلى مكان آخر خارج نطاق الباغوز، ومن هناك وجدت طريقاً إلى أهلها بعدما ساعدتها عائلة زعمت أمام عناصر التنظيم بأنّها نسيبتها.

في 29 كانون الثاني 2019، انتهت سنوات أسر سعاد، لكنْ بالنسبة لها، لم يكن ذلك نهاية القصة، فكان عليها أن تعود إلى المكان الذي تركته وهي لا تعرف إنْ كانت ستراه مجدّداً، فيما كان خوفها الأكبر يتمثّل في ردّة فعل المجتمع الأيزيدي الذي كانت تجهل ما إذا كان سيتقبّل المختطفات اللواتي تعرّضن للعنف والاستعباد الجنسي.

عندما وصلت إلى سنجار، أخبرتها عائلتها إنها كانت تعتقد أنّها ماتت، وسرعان ما تبدد خوفها، إذ أنّها استُقبلت بحفاوة وفرح، ليس فقط من قبل عائلتها الصغيرة، بل أيضاً من قبل المجتمع الأيزيدي ككل. وتقول سعاد إنّ المجتمع الإيزيدي بدأ يعامل الناجيات بشكل أفضل، وإنّها لم تشعر بأنّها مرفوضة بسبب ما تعرضت له.

لكنّ صدمة سعاد الأكبر كانت عندما دخلت منزل العائلة... هنا اكتشفت حجم الخسارة، فهي لم تجد أعمامها ولا أبناء أعمامها، لقد قتلهم تنظيم داعش من دون رحمة. تقول إنّ اثنين من أعمامها وأبنائهم، ثمانية أشخاص، ذُبحوا.

وبينما كانت سعاد تعود إلى الحرية وحضن عائلتها، بقيت 4 من بنات أعمامها في الأسر، ولا تعرف العائلة مصيرهن حتى اليوم.

كانت سعاد واحدة من ثلاث ناجيات من أسر التنظيم الإرهابي داعش استغرق الوصول إليهن شهران، حصلنا من خلالهن على شهادات حصرية تعيد بناء رحلة الخطف والبيع والعنف والانفصال، وتكشف كيف تستمر الإبادة في ذاكرة مَنْ نجوا.

ساعات تحولت فيها سنجار إلى مكان للموت والخطف

في مدينة سنجار التي تقع شمال غرب العراق، كانت المهمّة الأصعب، بحث واتصالات ولقاءات والأهم محاولات الإقناع بأنّ فتح الذاكرة مرّة أخرى لن يكسرهنّ من جديد... إلى أن وافقت النساء الثلاث أخيراً على الحديث عن سنواتٍ من حياتهن، حاولن بكل ما يملكن، أن تضعها خلفهن.

فعندما هاجم داعش المنطقة، حاول آلاف الأيزيديين الفرار، فيما اتجه آخرون نحو جبل سنجار. لكن من لم يصل إلى الجبل، أو حاول الهرب منه، وقع في الأسر.

وقد وثقت الأمم المتحدة أنّ التنظيم فصل الرجال عن النساء والأطفال، وأنّ رجالاً وفتياناً أكبر سناً تعرضوا للقتل الجماعي إذا رفضوا التحول القسري، بينما بدأت عملية واسعة ومنظمة لاستعباد النساء والفتيات.

وتظهر أدلة UNITAD أنّ الفصل بين أفراد الأسرة لم يكن تفصيلاً عشوائياً، بل كان جزءاً من منظومة الأسر والاستعباد. فالفتيات والنساء الأصغر سنّاً تعرّضن للبيع والنقل المتكرّر، والعنف الجنسي والاستعباد الجنسي والعمل القسري، بينما أُجبرت نساء أخريات على العمل المنزلي والزراعي.

أمّا الأطفال الذكور، فتعرض عدد منهم للفصل عن عائلاتهم والتجنيد القسري والعمل القسري والتدريب على القتال. وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي تكشفها التحقيقات الأممية: لم يكن الاختطاف نهاية الجريمة، بل كان بدايتها.

نحو 6400 مختطف

تستخدم الأمم المتحدة رقماً يقارب 6400 أيزيدي اختُطفوا خلال هجوم تنظيم داعش وما تلاه، وتحدّد إحدى البيانات الأممية الرقم بـ6417 شخصاً، معظمهم من النساء والفتيات. وفي المقابل، قُتل آلاف الأيزيديين.

وتشير بيانات أممية حديثة إلى أنّ عدد القتلى في الأيّام الأولى من الإبادة بلغ نحو 5000 شخص. لكن الأرقام تختلف باختلاف الفترة التي يغطيها الإحصاء وطريقة احتساب الضحايا، ولهذا، فإنّ استخدام رقم واحد باعتباره حصيلة نهائية قد يعطي معلومة ناقصة أو مغلوطة في هذا الصدد.

ما هو ثابت أكثر هو حجم الكارثة نفسها: آلاف القتلى، نحو 6400 مختطف، ومجتمع دمرته عمليات القتل والتهجير والاستعباد. والأهم أن القصة لم تنته عند تحرير معظم المختطفين.

ففي العام 2025، قالت الأمم المتحدة إنّ نحو 2600 إيزيدي ما زالوا مفقودين، بينما كان الرقم الذي استخدمته الأمم المتحدة في 2024 أعلى بقليل، ما يعكس اختلاف التحديثات والتقديرات بمرور الوقت.

وفي العام 2026، كرّرت الأمم المتحدة الرقم نفسه تقريباً، وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً من: كم شخصاً اختُطف؟ بل: كم شخصاً لم يعد؟

ومن بين هؤلاء الآلاف، ثلاث نساء فقط وافقن بعد أشهر من الإقناع على أن يروين لنا كيف بدت تلك الأرقام من الداخل: سعاد داوود، وسعاد سيدو خلف، وبفرين..

3 ناجيات إيزيديات يروين للمرّة الأولى فصولاً من الأسر والخطف.. والنجاة بعد داعش

فتح الذاكرة مرة أخرى

والآن بدأنا في تسجيل رحلة معاناة تفوق الوصف، فكلّ سؤال كان يعيدهن إلى 3 أغسطس العام 2014، إلى الطريق التي سلكناها، إلى السيارات التي أقلتهن، إلى مشاهد الفصل بين الرجال والنساء والأطفال، إلى البيوت التي امتلأت بالمختطفات الأيزيديات، إلى الفتيات اللواتي اقتيدن أمام أعين أمهاتهن... إلى سنوات الأسر عموماً، والسؤال الأكبر لديهن كان عن الخوف من العودة وتقبّل المجتمع الأيزيدي لمختطفات تعرضنّ لعنف واغتصاب وسبيٍ على مدى سنوات.

انتزاع تلك الشهادات من نساء يعرفن تماماً أنّ رواية ما حدث تعني استعادة أقسى لحظات حياتهن، كانت اللحظة التي بدأ فيها توثيق بطش تنظيم داعش الذي حاول القضاء على الإرث الأيزيدي ومحوه.

فالثالث من أغسطس العام 2014، لم يكن يوماً انتهى بالنسبة إليهن بانتهاء الهجوم، لقد أصبح تاريخاً يسكن الذاكرة.

الثالث من أغسطس… عندما تغيّر كل شيء

كانت سنجار، قبل هجوم تنظيم داعش، موطناً لمجتمع أيزيدي متجذّر في المنطقة. لكنْ في الثالث من أغسطس العام 2014، دخل التنظيم إلى المدينة لتبدأ حملة استهدفت المجتمع الإيزيدي على نطاق واسع.

فوفق الأمم المتحدة، قُتل آلاف الإيزيديين واختُطف كثيرين، فيما تعرضت النساء والفتيات لأشكال متعددة من العنف الجنسي والاستعباد، بينما فُصل الرجال والأولاد عن النساء والأطفال، وتعرض كثير منهم للقتل والاختفاء.

وفي سبتمبر العام 2024، قال فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل تنظيم داعش، "UNITAD"، إنّ لديه أسباباً معقولة للاعتقاد بأنّ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية ارتُكبت بحقّ الإيزيديين.

لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع وحدها أن تشرح ما حدث. فوراء هذا الرقم هناك آلاف الوجوه. وخلف كلّ امرأة اختُطفت، عائلة. وخلف كلّ فتاة تمّ بيعها، أمٌ كانت تبحث عنها. وخلف كلّ رجل قُتل، أبناء وأشقاء وبيت لم يعد كما كان.

سعاد سيدو خلف: اللحظة التي انتُزعت فيها ابنتها من حضنها إلى الأبد

قصة سعاد سيدو خلف بدأت أيضاً في الثالث ��ن أغسطس العام 2014. آنذاك كانت في مجمع كرزرك م�� عدد كبير من العائلات. تروي لنا أنّ عدداً كبيراً من الأيزيديين خرجوا من منازلهم وهم خائفون: نساء وأطفال لا يعرفون إلى أين يتجهون، كانوا يسيرون نحو الجبل، وهناك، كنّا من أوائل العائلات التي تمّ خطفها.

الناجية الأيزيدية سعاد سيدو خلف خلال الحديث مع VeezPro
الناجية الأيزيدية سعاد سيدو خلف خلال الحديث مع VeezPro

تضيف: قالت عناصر تنظيم داعش للرجال سلموا أنفسكم، فاستسلموا، لم يكن لديهم خيار آخر. أعداد كبيرة من الناس أُخذوا من الطريق الجبلي، ثم حصل الفصل، الرجال في جهة، والنساء والأطفال في جهة أخرى.

تقول سعاد إنّ عناصر داعش كانت تنوي قتلهم، لكنّ اتصالاً هاتفياً وردهم فعدلوا عن الأمر ولكنها لم تعرف فحوى هذا الاتصال. وتتابع: نُقل الأطفال والنساء إلى دائرة النفوس في مدينة سنجار، وبقي الرجال هناك، وقيل لهم إنّ مَنْ يعتنق الإسلام سيُطلق سراحه في السادسة مساءً، ثم جاءت مكالمات أخرى وتغيّر كلّ شيء، ولم يخرجوا. ثم بعد ذلك، نُقلت النساء والأطفال إلى مزار السيدة زينب، بينما بقي الرجال في دائرة النفوس.

وتضيف: في اليوم التالي، تعرض المكان للقصف، فنُقلت النساء والأطفال إلى بادوش (هي قرية تقع في منطقة الجزيرة قرب تلعفر على نهر دجلة)، وهناك، حصلت واحدة من أكثر اللحظات التي ظلت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم ولن أنساها.

تستذكر سعاد سيدو خلف المشهد كالتالي: أمام أعين الأمهات، بدأت عناصر داعش بأخذ الفتيات، كان يتمّ جرّهنّ من شعورهن، ويُنتزعن من أمهاتهن، لم تستطع النساء فعل شيء.

وفي هذه اللحظة التي تتحدث عنها سعاد، تحوّل فيها الخوف الجماعي إلى فقدان شخصي، فالمرأة التي تقف أمام ابنتها وهي تُسحب بعيداً عنها، لا تعرف إنْ كانت ستراها مجدداً أم لا.

تسعة أشهر مع العائلة… ثم جاء الفراق

تقول سعاد سيدو خلف إنّها بقيت مع عائلتها تسعة أشهر، وقد خفف وجود العائلة إلى جانبها من قسوة الأسر نوعاً ما، لكنّ داعش فصلها لاحقاً عن عائلتها، ثم أخذ طفلتها، وهي تصف تلك اللحظة بأنّها كانت أصعب شعور عاشته أو عرفته.

بقيت سعاد في الأسر مع التنظيم لمدّة أربع سنوات، أربع سنوات من الانتظار، أربع سنوات من محاولة الحفاظ على الأمل، تقول: كنت أصلي إلى الله كي ينتهي هذا العذاب... أحياناً، كنت أفقد الأمل لكنّني كنت لأقول لنفسي إنّه لا يوجد أمامي سوى أن أكون قوية وأن أتمسّك ولو ببعض من هذا الأمل.

بعد أربع سنوات تحررت الأيزيدية سعاد سيدو خلف وعادت إلى أهلها، ولكن من دون ابنتها... لكن ما يعزّيها أنها هي أيضاً لاقت حفاوة استقبال من قبل العائلة، وتقول: لم أشعر أنّني تغيّرت في نظرهم.

سعاد سيدو خلف عادت نعم، ولكن حتى اليوم مازال جزء كبير منها مفقوداً ولا تعرف عنه شيئاً، ابنتها. يمكن أن تبدأ حياة جديدة، لكن ليس كما يجب، وهنا تقول بوضوح: طالما أن أطفالنا ما زالوا في يد داعش، فلا معنى لأيّ شيء آخر، ما نريده فقط هو عودة المختطفات.

ربما يكون أكثر جوانب الجريمة تعقيداً هو ما حدث للأطفال. فقد وثّقت UNITAD حالات فصل أطفال أيزيديين عن عائلاتهم، واحتجازهم في مدارس ومنازل ومرافق وصفها الشهود بأنها "دور أيتام". وفي بعض الحالات، كان الأطفال الأكبر سناً يعتنون بالأصغر. ثم جرى فصل الأولاد عن البنات.

وبحسب الأدلة التي جمعتها UNITAD، تعرّض بعض الأطفال للتحويل القسري إلى الإسلام وتغيير أسمائهم، فيما جرى اعتماد بعضهم أو استعبادهم أو تجنيدهم وفقاً لأعمارهم وجنسهم. وكان الهدف، بحسب استنتاجات التحقيق الأممي، يتجاوز السيطرة على الطفل في لحظة الأسر. كان جزءاً من محاولة محو هويته، تغيير الاسم، تغيير الدين، فصل الطفل عن أسرته، ثم إعادة تعريفه داخل منظومة داعش.

وفي حالات أخرى، وُلد أطفال من نساء إيزيديات بعد تعرضهن للاغتصاب والاستعباد الجنسي. وهنا ظهرت مشكلة أخرى استمرت بعد انتهاء الحرب.

الأمم المتحدة وثقت أن بعض النساء اللواتي أنجبن أطفالاً نتيجة الاغتصاب واجهن صعوبات في الحصول على وثائق الهوية والخدمات، بسبب التعقيدات القانونية والاجتماعية المرتبطة بوضع هؤلاء الأطفال.

كما خلصت تحقيقات UNITAD إلى أنّ بعض الأطفال الذين ولدوا في الأسر أُعطوا لعائلات مرتبطة بداعش للتبني، وأنّ النساء اللواتي أنجبن نتيجة الاغتصاب لم يكن قادرات دائماً على العودة إلى مجتمعهن مع أطفالهن، لأن هؤلاء الأطفال لم يكونوا يُعتبرون إيزيديين وفق القواعد الدينية والاجتماعية السائدة آنذاك.

نحن ما زلنا نعيش 3 أغسطس

في جملة واحدة تختصر سعاد شهادتها قائلة: طالما أن المقابر الجماعية لا تزال موجودة، وبنات أيزيديات ما زلن أسيرات، فنحن نشعر أننا ما زلنا نعيش الثالث من أغسطس 2014.

وهنا تتحول الإبادة من حدث تاريخي إلى حاضر مستمر. ففي 2024، أعادت السلطات العراقية رفات 41 ضحية أيزيدية تمّ التعرف إلى هوياتهم بعد انتشالها من مقابر جماعية في مدينة سنجار. لكن بالنسبة للعائلات، فإنّ العثور على الرفات لا يعني فقط نهاية الانتظار، إنه أيضاً اعتراف رسمي بأنّ الانتظار كان مبنياً على مأساة حقيقية. ومع ذلك، يبقى السؤال الأكبر بالنسبة إلى آلاف العائلات: أين الآخرون؟

بفرين: "حاولت 3 إلى 5 مرات أن أهرب"

الناجية الثالثة بفرين، وقصّة هذه الأيزيدية لا تتوقف عند الخطف والأسر فحسب، بل تمتد إلى ما حدث للمجتمع الأيزيدي بعد ذلك. تقول إنّ نحو 74 شخصاً من أقاربها اختُطفوا، بينهم 3 من أشقائها.

وتشير إلى أنّ أكثر من 3000 من النساء والأطفال ظلوا مجهولي المصير وفق ما كان معروفاً لديها، وأنّ أيزيديات أخريات تحرّرن أو قُتلن، فيما لم تكن رفات كثير من الضحايا قد رُفعت.

الناجية الأيزيدية بفرين خلال الحديث مع VeezPro
الناجية الأيزيدية بفرين خلال الحديث مع VeezPro

بفرين أمضت في الأسر لدى تنظيم داعش مدّة عامين، وهي تصف تلك الفترة بكلمات قليلة لكنها ثقيلة: تغيير الدين، العنف، التعذيب، الاضطهاد، ومآسٍ كثيرة لا تُنسى. وهذا يتفق مع نتائج تحقيقات الأمم المتحدة التي تشير إلى أنّ النساء والفتيات الأيزيديات تعرضن للاحتجاز المستمر والبيع والنقل والاستغلال والعنف الجنسي والعمل القسري على مدى أشهر وسنوات عديدة.

من الخوف إلى محاولة بناء حياة

بعد التحرير من براثن التنظيم، وجدت بفرين في سنجار شيئاً آخر: الدعم، وتقول إنّ عائلتها والمجتمع الإيزيدي قدما لها دعماً مادياً ومعنوياً، وقالوا لها وللناجيات: أنتن قويات.

والأمر لم ينتهِ عند ذلك، فزوجها هو أيضاً وقف إلى جانبها ودعمها في مختلف جوانب حياتها، واليوم أصبحت لديها عائلة وأطفال، وقد بدأت حياة جديدة.

لذلك لا تريد بفرين أن تبقى ��جربتها شخصية فقط. تقول إنّ دعم المجتمع والمنظمات الإنسانية كان له دور كبير في مساعدتها على البدء من جديد بعد مرحلة بالغة الصعوبة. وتؤكّد أنّ الناجيات يردن إيصال رسالة مفادها أنّ ما حدث لهن يجب ألا يتكرر، ليس ضد الأيزيديين فقط، بل ضد أيّ مكوّن بشري في العالم.

ثم وجهت رسالة إلى الناجيات قائلةً: لا تستسلمن، الحياة يجب أن تستمر، يجب أن يبدأ الإنسان من جديد من أجل المستقبل.

أمّا رسالتها إلى النساء اللواتي ما زلن مختطفات، فكانت أنطلاقاً من تجربتها الشخصية، فقالت لهن إنّها حاولت الهرب من التنظيم مراراً ولم تنجح، لذلك، لا ينبغي لهن أن يفقدن الأمل إذا فشلت المحاولة الأولى.

ما الذي بقي من إبادة سنجار؟

في الثالث من أغسطس 2014، لم يدخل تنظيم داعش مدينة سنجار باعتباره قوّة عسكرية تريد السيطرة على أرض فحسب، فما حدث خلال الساعات والأيام والأسابيع التالية كان، وفق ما خلص إليه فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة UNITAD، حملة تضمنّت جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية استهدفت المجتمع الأيزيدي.

وبعد عشر سنوات من التحقيق، قالت الأمم المتحدة في سبتمبر العام 2024 إنّ لديه أسباباً معقولة للاعتقاد بأنّ داعش ارتكب إبادة جماعية بحقّ الأيزيديين، إلى جانب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لكن معنى الإبادة لا يظهر كاملاً في الجملة القانونية، بل يظهر في الأرقام وفي المقابر، وفي أسماء المفقودين، وفي النساء اللواتي عدن من الأسر. وفي الأطفال الذين فُصلوا عن عائلاتهم.

الأكثر خطورة، أنه في هذه المرحلة، ثمّة أطفال آخرون ولدوا نتيجة الاغتصاب من قبل عناصر التنظيم، ثمّ وجدوا أنفسهم أمام سؤال لم يختاروه: مَن هم وإلى أيّ مجتمع ينتمون؟

المقابر التي لم تنتهِ قصتها

بعد هزيمة داعش عسكرياً، بدأت مرحلة أخرى: البحث عن الذين قُتلوا. في سنجار ومحيطها، ظهرت عشرات مواقع المقابر الجماعية التي ارتبطت بضحايا الإبادة. لكن العثور على المقبرة لا يعني بالضرورة أن العائلة حصلت على الإجابة. هناك عملية حفر واستخراج، ثمّ فحص الطب الشرعي، ثمّ تحديد الهوية، ثم مطابقة الرفات مع العائلات.

وفي يناير العام 2024، أعيدت إلى عائلاتها رفات 41 ضحية أيزيدية بعد استخراجها وتحديد هويات أصحابها.

وفي موقع آخر قرب تلعفر، أنهت UNITAD والسلطات العراقية في أغسطس العام 2024 عمليات حفر في موقع معقد للمقابر الجماعية، حيث جرى انتشال رفات 158 جثماناً و39 جزءاً من جثامين في المرحلة الأولية، من ضحايا أيزيديين وشيعة.

هذه التفاصيل تكشف الفارق بين العثور على جثة وإعادة شخص إلى عائلته. بالنسبة إلى الدولة، قد تكون العملية استخراجاً للرفات. أمّا بالنسبة إلى الأسرة، فهي قد تكون اللحظة التي ينتهي فيها انتظار استمر أكثر من عقد. ولهذا بقيت المقابر جزءاً أساسياً من قضية العدالة الأيزيدية. فمن دون تحديد هوية القتلى، تبقى عائلات كثيرة في المنطقة الرمادية بين الحداد والانتظار.

الأطفال: الجزء الذي لم ينتهِ عند التحرير

لم يكن الاختطاف والقتل هو كل ما تعرض له المجتمع الأيزيدي، فهناك جيل كامل من الأطفال حمل آثار تلك الجريمة ولكن بأشكال مختلفة، فبعضهم فُصل عن عائلته، وآخرين تغيرت أسماؤهم وهويتهم، ومجموعة ثالثة ولدوا نتيجة اغتصاب ووجدوا أنفسهم أمام سؤال لم يختاروه عن انتمائهم.

وهذه واحدة من أكثر نتائج الإبادة قسوة، فحتى الطفل الذي لم يختر شيئاً من هذه الجريمة ي��كن أن يحمل آثارها طوال حياته: طفل بلا هوية و��ضحة، والمشكلة ليست اجتماعية فقط، بل قانونية أيضاً.

حيث أشارت الأمم المتحدة إلى أنّ قانون بطاقة الهوية الوطنية العراقي كان يفرض صعوبات على الأطفال المولودين من أم أيزيدي�� وأب مسلم، وهي حالة تنطبق على أطفال ولدوا نتيجة الاغتصاب أثناء الأسر.

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت منذ العام 2018 من أنّ صعوبة الحصول على وثائق الهوية يمكن أن تحرم الأطفال من حقوق أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات.

وفي تقريرها النهائي بشأن سنجار، وثقت UNITAD أيضاً محاولات داعش تغيير أسماء الأطفال وهوياتهم الدينية، مؤكّدة أنّ قضية الأطفال كانت جزءاً من استراتيجية أوسع لاستهداف الهوية الأيزيدية نفسها. لهذا، فإنّ الحديث عن أطفال داعش يجب أن يكون شديد الحذر.

هؤلاء الأطفال ليسوا مسؤولين عن الجرائم التي ارتكبها آباؤهم البيولوجيون أو الأشخاص الذين أسروا أمهاتهم. لكن بعضهم وجد نفسه، منذ لحظة ولادته، داخل نزاع على الاسم والدين والهوية والانتماء.

عندما يصبح التعويض اختباراً للعدالة

في مارس العام 2021، أقرّ العراق قانون الناجيات الإيزيديات، الذي أنشأ إطاراً للتعويض وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج، واعترف بجرائم داعش بحقّ الإيزيديين وتركمان ومسيحيين وشبك ضمن إطار القانون.

كان القانون خطوة مهمة، لكن تطبيقه كشف مشكلة أخرى. ففي سبتمبر العام 2022، بدأت السلطات تطلب من الناجيات الراغبات في الحصول على التعويض تقديم شكوى جنائية، رغم أنّ البرنامج نفسه إداري.

آنذاك انتقدت Human Rights Watch ومنظمات أخرى هذا الشرط، معتبرةً أنّ إجبار الناجيات على إعادة سرد تفاصيل الانتهاكات أمام الشرطة أو القضاء، يمكن أن يؤدّي إلى إعادة الصدمة، فضلاً عن تعرض بعض النساء للوصم أو سوء المعاملة.

ما الذي بقي؟

وبعد 12 عاماً تقريباً من هجوم داعش، لا يمكن قياس آثار الإبادة بعدد الذين تحرروا فقط. فهناك الآف الأشخاص اُختُطفوا، وآخرين قتلوا، ونحو 2600 ما زالوا مفقودين وفق أحدث الأرقام الأممية المتاحة، هناك مقابر ما زالت تنتظر الحفر والتعرف إلى أصحاب الرفات، وهناك أطفال فصلوا عن عائلاتهم أو جرى تغيير أسمائهم وهوياتهم، وهناك أطفال ولدوا من الاغتصاب وما زالت قضايا هويتهم ووضعهم القانوني والاجتماعي تحمل آثار الجريمة، وهناك أكثر من 200 ألف أيزيدي ظلوا نازحين في السنوات الأخيرة، بحسب الأمم المتحدة.

لكن وسط هذه الأرقام، توجد قصة مختلفة تماماً: قصة النساء اللواتي عدن، اللواتي تزوجن وأنجبن، واللواتي يعملن، واللواتي جلسن أمام الكاميرا بعد سنوات من الأسر ليقلن ما حدث.

وهنا تكتسب شهادات سعاد داوود وسعاد سيدو خلف وبفرين قيمتها الحقيقية، فهن لا يقدمن فقط ثلاث روايات عن الماضي، بل يقدمن ثلاث شهادات على ما بقي منه. فالاختطاف انتهى بالنسبة إلى بعضهن، لكنّ البحث عن المفقودين لم ينته. والأسر انتهى لكن المقابر لم تُغلق قصتها. والناجيات عدن إلى المجتمع، لكن آثار الجريمة انتقلت معهن.

ولهذا، فإن إبادة سنجار ليست قصة حدثت في أغسطس العام 2014 وانتهت. إنها قصة جريمة توقفت بنادق مرتكبيها، لكن آثارها لا تزال حاضرة في بيت ينتظر شخصاً، وفي طفل يبحث عن هوية، وفي إمرأة تجلس أمام كاميرا وتقرر، بعد كل هذه السنوات، أن تتحدث.

أخيراً، أوقفنا الكاميرات وأنهينا تسجيل المقابلات التي وثّقنا من خلالها أصعب اللحظات، وغادرنا مدينة سنجار التي تعيش اليوم حياة هادئة، لكنّنا حملنا معنا الكثير من الذكريات التي تكفي لأن نبقى نتذكر هؤلاء السيّدات الثلاث بما تمثلنه من معاناة عشنها على مدى سنوات عديدة، ولكن في الوقت نفسه ترسّخت صورة المرأة الأيزيدية القادرة على تخطّي الصعاب والانطلاق من جديد، رغم أنّ الجرح سيبقى مفتوحاً طالما بقي الكثيرون مجهولي المصير.

شارك: